سيد محمد طنطاوي
30
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والابتغاء : الاجتهاد في الطلب . يقال : بغيت الشيء وابتغيته ، إذا طلبته بجد ونشاط . والفتنة : من الفتن : وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته من رداءته . والمراد بها هنا الإضلال وإثارة الشكوك حول الحق . والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان . ويطلق بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول إليه أمره ، مأخوذ من الأول وهو الرجوع إلى الأصل . يقال : آل الأمر إلى كذا يؤول أولا أي رجع . وأولته إليه : رجعته . المعنى : لقد اقتضت حكمتنا - يا محمد - أن ننزل عليك القرآن مشتملا على آيات محكمات هن أم الكتاب ، وعلى أخر متشابهات . فأما الفاسقون الذين في قلوبهم انحراف عن طلب الحق ، وميل عن المنهج القويم ، وانصراف عن القصد السوى فيتبعون ما تشابه منه ، أي : يتعلقون بذلك وحده . ويعكفون على الخوض فيه . ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه ، وإنما يلازمون الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه ، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء نياتهم . وتحكم أهوائهم وشهواتهم . وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين : أولهما : « ابتغاء الفتنة » أي طلبا لفتنة المؤمنين في دينهم . وتشكيكهم في عقيدتهم ، وإثارة الريب في قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذي جاء به القرآن ، بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم - أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وبأن يقولوا : كيف يكون نعيم الجنة ، وما حقيقة الروح ولما ذا يعذبنا اللَّه على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شيء ، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة التي يثيرها الذين في قلوبهم زيغ طلبا لتشكيك المؤمنين في دينهم . وثانيهما : « وابْتِغاءَ تَأْوِيلِه ) * أي : ويتعلقون بالمتشابه ويتبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا ، وتفسيرها تفسيرا فاسدا بعيدا عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه ، لأنه يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وميولهم الأثيمة . وفي جعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد . وفي تعليل الاتباع - كما يقول الآلوسي - « بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة . إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل - في عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه » . وقد ذم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من القرآن طلبا للفتنة والتأويل الباطل ،